المحقق البحراني

118

الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية

الآخرة وانصرافه عن الدنيا ، وذلك يشتد بشغل الجوارح في الطاعات وكفها عن المعاصي ؛ فإن بين الجوارح والقلب علاقة شديدة يتأثر كل منهما بالآخر ، كما إذا حصل للجوارح آفة سرى أثرها إلى القلب فاضطرب ، وإذا تألم القلب لخوف مثلا سرى أثره إلى الجوارح فارتعدت . والقلب هو الأمير والمتبوع ، والجوارح كالرعايا والأتباع . والمقصود من أعمالها : حصول ثمرة للقلب ، فلا يظن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض ، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكَّد صفة التواضع في القلب ؛ فإن من يجد في نفسه تواضعا إذا استعان بأعضائه وصوّرها بصورة المتواضع تأكَّد بذلك تواضعه ، وأما من يسجد غافلا عن التواضع وهو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع الجبهة على الأرض أثر إلى قلبه ، بل سجوده كعدمه ؛ نظرا إلى الغرض المطلوب منه . فكانت النيّة روح العمل وثمرته والمقصد الأصلي من التكليف به ، فكانت أفضل . وهذا قريب بما تقدّم من كونها من أعمال القلب . ومنها أن النيّة ليست مجرّد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس : اصلَّي أو أصوم أو ادرّس قربة إلى اللَّه ، ملاحظا معاني هذه الألفاظ بخاطرك ، ومتصوّرا بقلبك . هيهات إن هذا تحريك لسان وأحاديث نفس ، وإنّما النيّة المعتبرة انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها إمّا عاجلا وإمّا آجلا . وهذا الانبعاث والميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرّد النطق بتلك الألفاظ ، وتصوّر تلك المعاني ، وما ذلك إلَّا كقول الشبعان : أشتهي الطعام وأميل إليه ، قاصدا حصول الميل والاشتهاء . وكقول الفارغ : أعشق فلان وأحبه وأنقاد إليه واطيعه . بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وإقباله عليه إلَّا بتحصيل الأسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث واجتناب